فصل: ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن الزنج دخلوا واسطًا واتصل الخبر بأبي أحمد الموافق فندب ولده أبا العباس لحربهم فخرج في عشرة آلاف فبالغ في حربهم وغنم من أموالهم شيئًا كثيرًا واستنقذ من النساء اللواتي كن في أيدي الزنج خلقًا كثيرًا فردهن إلى أهلهن وأقام حتى وافاه أبوه أبو أحمد لحرب الزنج فحاربهم واستنقذ من المسلمات زهاء خمسة عشر ألف ألف امرأة فأمر بحملهن إلى واسط ليدفعهن إلى أوليائهن ثم اجتمع أبو أحمد وولده على قتالهم وألجأوهم إلى مدينة قد بنوها وحصنوها وحفروا حولها الخنادق ثم أجلوهم عن المدينة واحتوى أبو أحمد وأصحابه على كل ما كان فيها من الذخائر والأموال والأطعمة والمواشي وبعث جندًا في طلبهم حتى جاوزوا البطائح ثم ارتحل أبو أحمد إلى الأهواز وكتب إلى رئيس الزنج كتابًا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله عز وجل مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال وانتحال ما لم يجعله الله عز وجل له أهلًا من النبوة والرسالة وإن نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخطها الله عز وجل ودخل في جماعة المسلمين يمحي ذلك ما سلف من عظيم جرائمه وكان له به الحظ الجزيل في دنياه ‏.‏

فلما وصل الكتاب إليه لم يزده ذلك إلا نفورًا وإصرارًا ولم يجب عنه بشيء فسار أبو أحمد بأصحابه وهم زهاء ثلثمائة ألف إلى مدينته التي سماها المختارة من نهر أبي الخصيب فرأى من تحصينها بالسور والخنادق وما قد عور عن الطريق المؤدية إليها وإعداد المجانيق والعرادات ما لم ير مثله فأمر أبو أحمد ابنه بالتقدم إلى السور ورمي من عليه بالسهام ففعل ثم نادى بالأمان ورمى بذلك رقاعًا إلى عسكر القوم فمالت قلوبهم فجاء منهم كثير وعلم أبو أحمد أنه لا بد من المصابرة فعسكر بالمدينة التي سماها الموفقية وجهز التجار إليها واتخذت بها الأسواق ‏.‏

وقد كانت هذه المدينة انقطعت سبلها بأولئك الأعداء وبنى أبو أحمد مسجد الجامع واتخذ دور الضرب فضربت الدنانير والدراهم وأدر للناس العطاء ‏.‏

وفي ذي الحجة لست بقين منه‏:‏ عبر أبو أحمد بنفسه إلى مدينة القوم لحربهم وكان السبب أن الرؤساء من أصحاب الفاسق لما رأوا ما قد حل بهم من القتل والحصار مالوا إلى الأمان وجعلوا يهربون في كل وجه فوكل الخبيث بطريق الهرب أحراسًا فأرسل جماعة من قواده إلى الموفق يسألونه الأمان وأن يوجه لمحاربتهم جيشًا ليجدوا إلى المصير إليهم سبيلًا فأمر أبا العباس بالمصير في جماعة إلى ناحيتهم فالتقوا فاحتربوا وظفر أبو العباس وصار إلى القواد الذين طلبوا الأمان وعبر الموفقبجيشه للمحاربة يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة وقصد ركنًا من أركان المدينة فغلبوا عليه ونصبوا عليه علمًا وأحرقوا ما كان على سورهم من منجنيق وعرادة ثم ثلموا في السور عدة ثلم ومد جسرًا على خندقهم فعبر الناس فحملوا على الزنج فكشفوهم ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وثب أحمد بن طولون بأحمد بن المدبر وكان يتولى خراج دمشق والأردن وفلسطين فحبسه وأخذ أمواله وصالحه على ستمائة ألف دينار ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ هارون بن محمد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

يكنى أبا عبد الله حدث وكان ثقة وتوفي بمصر في هذه السنة بكر بن إدريس بن الحجاج بن هارون أبو القاسم روى عن أبي عبد الرحمن المقري وآدم بن أبي إياس وغيرهما وكان فقيهًا

توفي في شعبان هذه السنة ‏.‏

حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي ولد سنة سبع وتسعين ومائة وولي القضاء ببغداد وحدث بها عن القعنبي ‏.‏

روى عنه‏:‏ الحسين المحاملي وكان ثقة فصيحًا يعرف مذهب مالك جيد كثير النصانيف في فنون وتوفي بالسوس في هذه السنة ‏.‏

علي بن الحسن بن موسى بن ميسرة الهلالي النيسابوري الداربجردي وداربجرد محلة متصلة بالصحراء في أعلى البلد ‏.‏

من أكابر علماء نيسابور وابن عالمهم وكان له مسجد بداربجرد مذكور ويتبرك بالصلاة فيه ‏.‏

سمع أبا عاصم النبيل وسليمان بن حرب ويعلى بن عبيد وأبا نعيم وخلقًا كثيرًا‏.‏

روى عنه‏:‏ البخاري ومسلم وابن خزيمة وغيرهم ‏.‏

وتوفي في هذه السنة واختلفوا في موته فقيل‏:‏ وجد ميتًا بعد أسبوع من وفاته في مسجده وقيل‏:‏ إنه زبر العامل فلما جن الليل أمر به فأدخل بيته وأوقد النار في التبن فمات من الدخان ثم وجد ميتًا قد أكلت النمل عينيه وقيل‏:‏ أكله الذئب فلم يوج سوى رأسه ورجليه ‏.‏

عيسى بن موسى بن أبي حرب أبو يحيى الصفار البصري قدم بغداد وحدث بها عن مشايخه فروى عنه‏:‏ أبو الحسين بن المنادي وغيره ‏.‏

وكان ثقة وتوفي في صفر هذه السنة ‏.‏

العباس بن عبد الله أبو محمد الترقفي سكن بغداد وحدث عن جماعة روى عنه‏:‏ ابن أبي الدنيا وابن صاعد وابن مخلد وكان ثقة صدوقًا دينًا صالحًا ‏.‏

قال ابن مخلد‏:‏ ما رأيته ضحك ولا تبسم ‏.‏

توفي بسر من رأى في هذه السنة وقيل‏:‏ سنة ثمان وستين ‏.‏

عمار بن رجاء أبو نصر الأستراباذي رحل إلى العراق وسمع من أبي داود الحفري ويزيد بن هارون وأبي نعيم وغيرهم ‏.‏

وكان عابدًا زاهدًا ورعًا ثقة وتوفي في هذه السنة وقبره يزار ويتبرك به ‏.‏

محمد بن أحمد بن الجنيد أبو جعفر الدقاق سمع أبا عاصم النبيل وأسود بن عامر ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ البغوي وابن صاعد والمحاملي وغيرهم وكان ثقة توفي في هذه السنة وقيل‏:‏ في السنة التي قبلها ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا محمد بن عبد الواحد قرئ على أبي الحسين بن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ توفي ابن جنيد الدقاق يوم الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وستين ومائتين ودفن في مقبرة باب حرب وقد قارب التسعين ‏.‏

محمد بن حماد بن بكر أبو بكر المقرئ صاحب خلف بن هشام سمع يزيد بن هارون وغيره

وكان أحد القراء المجودين ومن العباد الصالحين وكان أحمد بن حنبل يجله ويكرمه ويصلي خلفه شهر رمضان وغيره ‏.‏

وتوفي يوم الجمعة لأربع خلون من ربيع الآخر في هذه السنة ‏.‏

يحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن فارس أبو زكريا الذهلي يلقب بحيكان إمام نيسابور في الفتوى والرياسة وابن إمامها ‏.‏

سمع‏:‏ يحيى بن يحيى وابن راهويه وعلى بن الجعد وأحمد بن حنبل وأبا الوليد الطيالسي ومسدد بن مسرهد وخلقًا كثيرًا ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبوه محمد بن يحيى الإمام وكان يقول‏:‏ أبو زكريا والد ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وخلق كثير وكان قد اختلف هو وأبوه في مسألة فحكما محمد بن إسحاق بن خزيمة فحكم ليحيى على أبيه وكان أحمد بن عبد الله الخجستاني قد خرج فغلب على نيسابور وكان خارجًا ظالمًا فخرج عن نيسابور واستخلف إبراهيم بن نصر فتهوس البلد فنهض يحيى بن محمد في خلق كثير وحاربوا القواد الذين خلفهم فلما عاد أحمد طلب يحيى بن محمد فجيء به فقتله في جمادى الآخرة من هذه السنة وقيل‏:‏ أنه غلبه ‏.‏

أنبأنا زاهر بن طاهر قال‏:‏ أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال‏:‏ سمعت الحسن بن يعقوب المعدل يقول‏:‏ سمعت أبا عمرو أحمد بن المبارك المستملي يقول‏:‏ رأيت يحيى بن محمد في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي‏.‏

قلت‏:‏ فما فعل الخجستاني قال‏:‏ العابدة اليمنية ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر أخبرنا أبو الفتح محمد بن علي المصري أخبرنا الموفق بن أبي الحسن التمار وأبو الحسن محمد بن الحسن المزني قالا‏:‏ أخبرنا أبو عثمان سعيد بن العباس بن محمد القرشي قال‏:‏ أخبرنا أبو منصور بن الحسن البوشنجي حدثنا محمد بن المنذر حدثنا علي بن الحسن الفلسطيني حدثنا أبو بكر التيمي حدثنا محمد بن سليمان القرشي قال‏:‏ بينا أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في أذنيه قرطان في كل قرط جوهرة يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة وهو يمجد ربه بثناء بأبيات من الشعر فسمعته يقول‏:‏ مليك في السماء به افتخاري عزيز القدر ليس به خفاء فدنوت منه فسلمت عليه فقال‏:‏ ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك ‏.‏

قلت‏:‏ وما حقك قال‏:‏ أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل صلى الله عليه لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف فأجبته إلى ذلك فرحب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة يا أختاه‏!‏ فأجابته جارية من الخيمة يا لبيكاه ‏.‏

قال‏:‏ قومي إلى ضيفنا ‏.‏

فقالت الجارية‏:‏ حتى أبدأ بشكر المولى الذي سبب لنا هذا الضيف وقامت فصلت ركعتين شكرًا لله قال‏:‏ فأدخلني الخيمة وأجلسني وأخذ الغلام الشفرة وأخذ عناقًا فذبحها فلما جلست في الخيمة نظرت إلى أحسن الناس وجهًا فكنت أسارقها النظر ففطنت لبعض لحظاتي فقالت لي‏:‏ مه أما علمت أنه قد نقل إلينا عن صاحب يثرب أن زناء العين النظر أما إني ما أردت بهذا أن أوبخك ولكن أردت أن أؤدبك لكي لا تعود لمثل هذا ‏.‏

فلما كان وقت النوم بت أنا والغلام خارجًا وباتت الجارية في الخيمة فكنت أسمع دوي القرآن الليل كله بأحسن صوت يكون وأرقه فلما أن أصبحت فقلت للغلام‏:‏ صوت من كان ذلك قال‏:‏ تلك أختي تحيي الليل كله إلى الصباح فقلت‏:‏ يا غلام أنت أحق بهذا العمل من أختك أنت رجل وهي امرأة قال‏:‏ فتبسم ثم قال لي‏:‏ ويحك يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ استئمان جعفر بن أحمد السجان

إلى الموفق يوم الثلاثاء غرة المحرم وكان هذا السجان أحد ثقات الخبيث الزنجي فأمر له أبو أحمد بخلع وصلات فكلم أصحاب الزنجي وقال‏:‏ إنكم في غرور وإني قد وقفت على كذب هذا الرجل وفجوره ‏.‏

فاستأمن يومئذ خلق كثير وما زال الموفق ينظر في كل يوم موضعًا يجلب منه الميرة إلى بلد القوم فيمنعها حتى ضاق الأمر بهم حتى أكلوا لحوم الناس ونبشوا القبور فأكلوا لحوم الموتى وكان المستأمن منهم يسأل‏:‏ كم عهدكم بالخبز فيقول‏:‏ سنة وسنتان فلما رأى الموفق ما قد جرى عليهم رأى أن يتابع الإيقاع بهم ليزيدهم بذلك ضرًا وجهدًا ‏.‏

فخرج إلى الموفق في هذا الوقت في الأمان خلق كثير واحتاج من كان مقيمًا مع أولئك إلى الاحتيال في القوات فتفرقوا عن معسكرهم إلى القرى والأنهار النائية فأمر الموفق جماعة من قواده وغلمانه والسودان أن يقصدوا القوم ويستميلوهم فمن أبى قتلوه فواظبوا على ذلك فحصلوا جماعة كثيرة ‏.‏

واتفق في هذه السنة‏:‏ أنه كان أول يوم من رمضان يوم الأحد وكان الأحد الثاني من الشعانين وكان الأحد الثالث الفصح وكان الأحد الرابع النيروز وكان الأحد الخامس انسلاخ الشهر ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ هارون بم محمد بن إسحاق الهاشمي وكان ابن أبي الساج على الأحداث ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن الحسن أبو عبد الله السكري البغدادي كان حافظًا للحديث توفي بمصر في ذي القعدة من هذه السنة ‏.‏

أنس بن خالد بن عبد الله بن أبي طلحة بن موسى بن أنس بن مالك حدث عن محمد بن عبد الله الأنصاري وروي عنه‏:‏ المحاملي وابن مخلد وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة الحسن بن ثواب سمع يزيد بن هارون وغيره قال أبو بكر الخلال‏:‏ كان شيخًا كبيرًا جليل القدر وقال الدارقطني‏:‏ ثقة وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين أبو عبد الله ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة وروي عن ابن وهب وغيره وكان المفتي بمصر في أيامه وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة وصلى عليه بكار بن قتيبة ‏.‏

محمد بن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد أبو عمرو يروي عن أبيه وعن أبي صالح كاتب الليث وكان ثقة فاضلًا وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري سمع علي بن قادم روى عنه‏:‏ القاضي المحاملي وكان ثقة ‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن الأعراب قطعوا على قافلة الحاج قريبًا من سميراء فاستاقوا نحوًا من خمسة آلاف بعير مع أحمالها ‏.‏

واجتمع في المحرم من هذه السنة كسوف الشمس والقمر وغابت الشمس منكسفة ‏.‏

ويوم السبت النصف من جمادى الأولى‏:‏ شخص المعتمد يريد اللحاق بمصر فأقام يتصيد بالكحيل فلما صار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداج وكان العامل على الموصل وعامة الجزيرة وكان قد كتب إليه أبو أحمد بالقبض علىالمعتمد وعلى قواده فأظهر أنه معهم وقد كان قواد المعتمد حذروا المعتمد من المرور به فأبى وقال‏:‏ إنما هو غلامي ‏.‏

فلما صار في عمله لقيهم وصار معهم حتى نزل المعتمد منزلًا قبل وصوله إلى عمل ابن طولون فلما أصبح ارتحل الأتباع والغلمان الذين مع المعتمد والعسكر وبقي معه القواد فقال لهم‏:‏ إنكم قد قربتم من عمل ابن طولون والمقيمين بالرقة من قواد وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون فالأمر أمره وأنتم من تحت يده أفترضون بذلك وقد علمتم إنما هو كواحد منكم ‏.‏

وجرت بينهم وبينه في ذلك مناظرة حتى تعالى النهار ولم يرتحل المعتمد لاشتغال القواد بالمناظرة لبنهم ولم يجتمع رأيهم على شيء ‏.‏

فقال لهم ابن كنداج‏:‏ قوموا بنا حتى نتناظر في غير هذا الموضع وأكرموا مجلس أمير المؤمنين عن ارتفاع الأصوات فيه ‏.‏

فأخذ بأيديهم وأخرجهم من مضرب المعتمد وأدخلهم مضرب نفسه لأنه لم يكن بقي مضرب غير مضربه فلما دخلوا حضر بالقيود فشد غلمانه عليهم فقيدوهم ثم مضى إلى المعتمد فعدله في شخوصه عن دار ملكهوملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التي هو بها ثم رده إلى سامراء في شعبان فخلع على ابن كنداج وسمي ذا السيفين ‏.‏

وخرج الأمر في هذه السنة بتكنية صاعد بالعلاء في الكتب وعقد له على بلاد وانحدر صاعد إلى المرفق واستخلف ابنه العلاء وسمي صاعد‏:‏ ذا الوزارتين وكانوا قد عزموا أن يسموه‏:‏ ذا التدبيرين ‏.‏

فقال لهم أبو عبيد الله‏:‏ لا تسموه بشيء ينفرد به ولكن سموه‏:‏ ذا الوزارتين أو ذا الكفايتين ليكون مضافًا إليكم فسموه ذا الوزارتين ‏.‏

حدثني المعلى بن صاعد قال‏:‏ سعوا إلى الموفق بصاعد وضمنوه بمال عظيم وجعلوا الرقعة تحت ذنب طائر وأطلقوه وكان أبي قد أنكر من الموفق شيئًا فعزم أن يحمل إليه مائتي ألف درهم كانت عنده ثم قال‏:‏ والله لا فعلت ولأتصدقن بمائة ألف درهم منها ‏.‏

ففعل ذلك في غداة ذلك اليوم الذي ركب فيه زورق فبينا هو يسير إذ سقط في زورقه طائر فأخذ فوجدت فيه رقعة فقرأها صاعد فإذا هي سعاية به فعلم أن الله تعالى كفاه لأجل صدقته ودخل إلى الموفق فأراه الطائر وأراه الرقعة وعرفه ما عمل فعظم في عينه وجلت مكانته عنده وقال‏:‏ ما فعل الله بك هذا إلا لخير خصك به ‏.‏

وفي هذا الشهر‏:‏ أحرق أصحاب الموفق قصر ملك الزنج وانتهبوا ما فيه وذلك أن الموفق عاود الخصومة فدخل أصحابه إلى قصر من تلك القصور فانتهبوا وأحرقوا واستنقذوا نسوة كن فيه وقصدوا إحراق دار الزنجي فتعذر عليهم لكثرة الحماة عنها يرمون من فوق السور بالنشاب والحجارة واستأمن إلى أبي أحمد محمد بن سمعان كاتب الخبيث ووزيره فاجتمع أصحاب الموفق وحملوا فأحرقوا الدار فخرج الخبيث هاربًا وترك جميع أمواله فانتهب ما لم يأت عليه النار وأصاب الموفق سهم في ثندوته اليسرى فشارف الموت فتصدقت عنه أمه بوزنه ورقًا فكان ثلاثين ألف درهم حين سلم ثم مرض الموفق مدة فاشتغل الخبيث بإصلاح ما تشعث فلما عوفي الموفق عاود القتال فقتل منهم خلقًا كثيرًا واستخرج نساء وأطفالًا كن بأيديهم ‏.‏

فسأل ولد الخبيث الأمان فأجابه أبو أحمد فعلم الأب فرد الولد عن ذلك العزم فعاد إلى القتال واستأمن خلق كثير فأمنهم وخلع عليهم وصار قواده يقاتلون فاستوحشوا من ذلك وتجاسروا وتخافوا فجمع الموفق جنده وهم يزيدون على خمسين ألفًا والسفن الكثيرة يزيد ملاحوها على عشرة آلاف وتأجج القتال فتلقاهم العدو واشتد القتال فهزم العدو وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر جماعة كثيرة ونجا الخبيث إلى داره وجمع أصحابه للمدافعة عنها فلم يقدروا فدخلها أصحاب أبي أحمد وأحرقوها وما بقي فيها من متاع وأمر الموفق بنساء الخبيث وأولاده فحملوا إلى الموفقية والتوكيل بهم وكان قد تغلب على حرم المسلمين وجاءه منهن الأولاد ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ هارون بن محمد الهاشمي ‏.‏

 ذكر من توفي بهذه السنة من الأكابر

إبراهيم بن نصر بن محمد بن نصر سمع عفان بن مسلم وقبيصة في آخرين وكان ثقة وتوفي في هذه السنة ‏.‏

إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم أبو إسحاق العصفري من أصحاب ابن وهب روى عن المنقري وإدريس بن يحيى وكانت كتبه قد احترقت وبقي منها بقية فحدث بما بقي منها وهو ثقة رضي

توفي في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

خالد بن أحمد بن خالد بن عمرو بن مجالد بن مالك أبو الهيثم الذهلي الأمير ولي إمارة مرو وهراة وغيرهما من بلاد خراسان ثم ولي إمارة بخارى وسكنها وله آثار مشهورة وأمور محمودة وكان يحب الحديث ويقول‏:‏ أنفقت في طلب العلم أكثر من ألف ألف درهم وكان قد سمع من ابن راهويه وعلي بن حجر وخلق كثير فلما استوطن بخارى أقدم إلى حضرته حفاظ الحديث مثل‏:‏ محمد بن نصر المروزي وصالح جزرة ونصر بن أحمد البغداديين وغيرهم وصنف له نصر مسندًا وكان يختلف مع هؤلاء المسمين إلى المحدثين وكان يمشي برداء ونعل يتواضع بذلك وبسط يديه بالإحسان إلى أهل العلم فغشوه وقدموا عليه من الآفاق وأراد من محمد بن إسماعيل البخاري أن يصير إلى حضرته فامتنع فاعتل عليه باللفظ فأخرجه من بخارى فمات بقرية وكأنه عوقب بما فعل بالبخاري فزال ملكه وكان قد ورد بغداد فحدث فسمع منه وكيع القاضي وأبو طالب الحافظ وابن عقدة ثم اعتقله السلطان فحبسه ببغداد فمات بالحبس في هذه السنة وكان السبب أنه اشتد على الظاهرية ومال إلى يعقوب بن الليث القائم بسجستان وكان ذلك سبب حبسه ‏.‏

ذو الكفل الزاهد

رجل من ولد مسكين بن الحارث يكنى أبا القاسم ‏.‏

يروي عنه‏:‏ أحمد بن محمد بن حجاج بن رشدين وغيره ‏.‏

توفي بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

محمد بن إبراهيم أبو حمزة الصوفي البغدادي مولى عيسى بن أبان القاضي من كبار شيوخ الصوفية كان يتكلم في جامع الرصافة ثم انتقل إلى جامع المدينة وكان عالمًا بالقراآت خصوصًا قراءة أبي عمرو وجالس أحمد بن حنبل وكان أحمد إذا عرضت مسألة يقول‏:‏ وجالس بشر بن الحارث وأبا نصر التمار وسريًا السقطي وسافر مع أبي تراب النخشبي إلا أنه انغمس في مذاهب الصوفية حتى روينا أنه وقع في بئر فجاز قوم فأخذوا يطمونها فرأى من التوكل أن لا ينطق وسكوته في مثل هذا يخالف الشرع ‏.‏

وقد قيل إن الواقع في البئر أبو حمزة الخراساني لا البغدادي والله أعلم ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرني الحسن بن أبي الفضل الشرمقاني حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري حدثنا معروف بن محمد بن معروف الواعظ حدثنا أبو سعيد الزيادي قال‏:‏ كان أبو حمزة أستاذ البغداديين وهو أول من تكلم ببغداد في المذاهب من صفاء الذكر وجمع الهم والمحبة والشوق والقرب والأنس ولم يسبقه إلى الكلام على رؤوس الناس ببغداد أحد وما زال حسن المنزلة عند الناس إلى أن توفي سنة تسع وستين ومائتين ودفن بباب الكوفة وقد ذكر السلمي أنه توفي في سنة تسع وثمانين والأول أصح

محمد بن الخليل بن عيسى أبو جعفر المخرمي سمع عبيد الله بن موسى وروح بن عبادة وحجاج بن محمد وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ وكيع وتوفي في شعبان هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة سبعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ وقعة كانت بين أبي أحمد وصاحب الزنج في المحرم أضعفت أركان صاحب الزنج واسمه بهبوذ وفي صفر قتل وشرح القصة‏:‏ أن أبا أحمد ألح على حربه ورغب الناس في جهاد العدو وصار معه جماعة من المطوعة ورتب الناس وأمرهم أن يزحف جميعهم مرة واحدة وعبر يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم سنة سبعين فنصر ومنح أكتاف القوم فولوا منهزمين واتبعهم الناس يقتلون ويأسرون فقتل ما لا يحصى وخربت مدينة الخبيث بأسرها واستنقذوا ما كان فيها من الأسارى من الرجال والنساء والصبيان وهرب الخبيث وخواصه إلى موضع قد كان وطأه لنفسه ملجأ إذا غلب على مدينته فتبعه الناس فانهزم أصحابه وغدا أبو أحمد يوم السبت لليلتين خلتا من صفر فسار إلى الفاسق وكان قد عاد إلى المدينة بعد انصراف الناس فلقي الناس قواد الفسق فأسروهم وجاء البشير بقتل الفاسق ثم جاء رجل معه رأس الفاسق فسجد الناس شكرًا لله تعالى وأمر أحمد فرفع على قناة فارتفعت أصوات الناس بحمد الله تعالى وشكره وأمر أبو أحمد أن يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل البصرة والأبلة وكور دجلة والأهواز وكورها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق وأن يؤمروا بالرجوع إلى أوطانهم ‏.‏

وولي البصرة والأبلة وكور دجلة رجلًا من قواده ومواليه وولى قضاء هذه الأماكن محمد بن حماد وقدم ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه الناس فيسروا فوافى بغداد يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى في هذه الستة والرأس بين يديه على قناة فأكثر الناس التكبير والشكر لله تعالى والمدح لابن الموفق وأبيه ودخل أحمد بن الموفق بغداد برأس الخبيث وركب في جيش لم ير مثله من سوق الثلاثاء إلى المخرم وباب الطاق وسوق يحيى حتى هبط إلى الجزيرة ثم انحدر في دجلة إلى قصر الخلافة في جمادى هذه السنة وضربت القباب وزينت الحيطان ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ في ربيع الأول منها ورد الخبر إلى بغداد بأن الروم نزلت ناحية باب تلمية على ستة أميال من طرسوس وهم زهاء مائة ألف يرأسهم بطريق البطارقة أندرياس فخرج إليهم يازمان الخادم ليلًا فبيتهم فقتل رئيسهم وخلقًا كثيرًا من أصحابه يقال إنهم بلغوا سبعين ألفًا وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل ومن السروج مثل ذلك وسيوفًا محلاة بذهب وفضة ومناطق وأربعة كراسي من ذهب ومائتي طوق من ذهب وآنية كثيرة نحوًا من عشرة آلاف علم وكان النفير إلى أندياس يوم الثلاثاء لسبع خلون من ربيع الأول ‏.‏

وفي هذه السنة قتل ملك الروم الصقلبي ‏.‏

وفيها‏:‏ بنى أحمد بن طولون أربعة أروقة على قبر معاوية بن أبي سفيان وأمر أن يسرج هناك وأجلس أقوامًا معهم المصاحف يقرأون القرآن ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد بن أبي زرعة أبو بكر البرقي من أهل برقه ‏.‏

حدث وكان ثقة ثبتًا ‏.‏

قيل إن أخاه محمدًا كان قد صنف التاريخ ولم يتمه فأتمه هو وحدث به وكان إسنادهما واحدًا وكان أحمد يمشي في سوق الدواب فضربته دابة فمات أحمد بن عبد العزيز بن داود بن مهران الحرابي رحل وكتب الحديث وحفظ وروى وعاد إلى حران فتوفي بها في هذه السنة ‏.‏

أحمد بن طولون وطولون تركي أنفذه نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون سنة مائتين وتوفي سنة أربعين ومائتين وولد له أحمد ببغداد سنة عشرين ومائتين ونشأ بعيد الهمة وكان يستقل عقول الأتراك وأديانهم ويقول‏:‏ إن حرمة الدين عندهم منهوكة وكانوا يهابونه ويتقوون به على الأموال وتمكنت له المحبة في قلوب الناس ونشأ على الخير والصلاح وحفظ القرآن وطلب الحديث فلقي الشيوخ وسمع منهم ثم سأل الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان أن يوقع له برزقه على الثغر ليكون في جهاد متصل وثواب دائم ففعل وكانت ولايته ما بين رحبة مالك بن طوق إلى المغرب وكانت أمه بسر من رأى فبلغه أنها تبكيه لبعده فرجع إليها فخرج على الرفقة الذين صحبهم أعراب فقاتلهم أشد قتال ونصر عليهم وخلص من أيديهم أموالًا حملت إلى المستعين فحسن مكانه عنده وبعث إليه المستعين سرًا ألف دينار وقال للرسول‏:‏ عرفه محبتي له وإيثاري لاصطناعه ثم استدام الإنعام عليه ووهب له جارية أسمها‏:‏ مياس فولدت له ابنه خمارويه في محرم سنة خمسين ومائتين ولما تنكر الأتراك للمستعين وخلعوه وولوا المعتز أحدروه إلى واسط وقالوا‏:‏ من تختار أن يكون في صحبتك فقال‏:‏ أحمد بن طولون ‏.‏

فبعثوه معه فأحسن صحبته ثم خاف غلمان المتوكل من كيد المستعين فكتبوا إلى أحمد بن طولون أن اقتله فإن قتاته وليناك واسطًا ‏.‏

فكتب إليهم‏:‏ والله لا رآني الله قتلت خليفة بايعت له أبدًا ‏.‏

فأنفذوا إليه سعيدًا الحاجب فلما رآه المستعين قال‏:‏ قد جاء جزار بني العباس فتسلمه وضرب خيمة على بعد فأدخله إليها ثم خرج وألقاها على ما فيها ورحل ‏.‏

فلما بعد نظروا فإذا هو قد حمل رأس المستعين معه فغسل أحمد بن طولون الجثة وكفنها وواراها وعاد إلى سر من رأى فزاد محله عند الأتراك ووصفوه بحسن المذهب فولوه مصر نيابة عن أميرها في سنة أربع وخمسين فقال حين دخلها‏:‏ غاية ما وعدت به في قتل المستعين ولاية واسط فتركت ذلك لأجل الله تعالى فعوضني الله ولاية مصر والشام ‏.‏

ثم قتل والي مصر في أيام المهتدي فصار مستبدًا بنفسه في أيام المعتمد وركب يومًا إلى الصيد فلما طعن في البرية غاضت يد دابة بعض أصحابه في وسط الرمل فكشف المكان فرأى مطلبًا واسعًا فأمر أن يعمل فيه فوجد فيه من المال ما قيمته ألف ألف دينار فأنفق معظم ذلك في البر والصدقة وبناء الجامع وقال له وكيله يومًا‏:‏ ربما امتدت إلي الكف المطوقة والمعصم فيه السوار والكف الناعم أفأمنع هذه الطبقة فقال له‏:‏ ويحك هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف احذر أن ترد يدًا امتدت إليك ‏.‏

وحسن له بعض التجار التجارة فدفع إليه خمسين ألف دينار فرأى فيما يرى النائم كأنه يمشمش عظمًا فدعى المعبر فقص عليه ما رأى فقال‏:‏ قد سمت عمة الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره

فاستدعى صاحب صدقاته وقال له‏:‏ امض إلى التاجر وخذ منه الخمسين ألف دينار وتصدق بها

ولما اشتد مرضه في علة الموت فخرج المسلمون بالمصاحف واليهود بالتوراة والنصارى بالأناجيل والمعلمون بالصبيان وكثر الدعاء في الصحراء والمساجد فلما أحس بالموت رفع يده وقال‏:‏ يا رب ارحم من جهل مقدار نفسه وأبطره حكمك عنه ‏.‏

ثم تشهد وقضى في ذي القعدة من هذه السنة وقيل في التي قبلها ‏.‏

وكان عمره خمسين سنة وخلف ثلاثة وثلاثين ولدًا منهم سبعة عشر ذكرًا وترك عشرة آلاف ألف دينار وكان له من المماليك سبعة آلاف ومن الخيل على مربطه سبعة آلاف فرس ومن الجمال والبغال ستة آلاف رأس ومن المراكب الخاصة ثلثمائة ومن المراكب الحربية مائة مركب ومن الغلمان أربعة وعشرون ألفًا وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار وأنفق على المصالح أموالًا كثيرة منها على الجامع مائة وعشرين ألف دينار وكان يتصدق في كل شهر بثلاثة آلاف دينار شاذة سوى الراتب وكان راتب مطبخه في كل يوم ألف دينار وكان يجري على أهل المساجد كل شهر ألف دينار وعلى فقراء الثغر كذلك وحمل إلى بغداد في أيامه ما فرق على الصالحين والعلماء ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار ‏.‏

ورآه بعض المتزهدين في المنام بحال حسنة فقال له‏:‏ ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحتقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيأتيها عدل بي عن النار إلى الجنة بتثبتي على متظلم عيي اللسان شديد التهيب فسمعت منه وصبرت عليه حتى قامت حجته وتقدمت بإنصافه وما في الآخرة على رؤساء الدنيا أشد من الحجاب الملتمسي ورآه آخر في المنام فقال له‏:‏ إنما البلاء من ظلم من لا ناصر له ‏.‏

وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب أخبرنا الحسين بن محمد المؤدب أخبرنا إبراهيم بن عبد الله المالكي حدثنا محمد بن علي بن سيف قال‏:‏ سمعت الحسين بن أحمد النديم قال‏:‏ سمعت محمد بن علي المادرائي قال‏:‏ كنت أجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخًا يقرئ عند قبره ملازمًا للقبر ثم أني لم أره مدة ثم رأيته بعد ذلك فقلت له‏:‏ ألست الذي كنت أراك عند قبر ابن طولون تقرأ عليه قال‏:‏ بلى ‏.‏

قد كان والينا في هذا البلد وكان له علينا بعض العدل وإن لم يكن الكل فأحببت أن أصله بالقرآن ‏.‏

فقلت له‏:‏ فلم انقطعت عنه قال لي‏:‏ رأيته في النوم وهو يقول لي‏:‏ أحب أن لا تقرأ عندي فكأني أقول له‏:‏ ما يمر بي آية إلا قرعت بها وقيل لي‏:‏ أما سمعت هذه‏.‏‏!‏

إبراهيم بن مرزوق بن دينار أبو إسحاق البصري قدم مصر وكان ثقة ثبتًا وذهب بصره قبل موته ‏.‏

وتوفي بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

إسماعيل بن عبد الله بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرجال أبو النضر العجلي مروزي الأصل وهو ابن أخي نوح بن ميمون المضروب ‏.‏

سمع خلقًا كثيرًا وروى عنه‏:‏ محمد بن مخلد الدوري وأبو الحسين المنادي ‏.‏

وأخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب أخبرنا أبو بكر البرقاني أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي قال‏:‏ أنشدني أبو النضر العجلي لنفسه‏:‏ تخبرني الآمال أني معمر وأن الذي أخشاه عني مؤخر إذا المرء جاز الأربعين فإنه أسير لأسباب المنايا ومعثر وأخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الخطيب أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ توفي أبو النضر المروزي ليلة الاثنين لثلاث وعشرين خلت من شعبان سنة سبعين وقد بلغ أربعًا وثمانين سنة فيما ذكر وكان يخضب بالوسمة ‏.‏

بهبوذ صاحب الزنج ‏.‏

قد ذكرنا أحواله وكان خروجه يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين وكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام ‏.‏

وحكى أبو بكر الصولي أن مبلغ من قتل في هذه المدة من الناس ألف ألف وخمسمائة ألف رجل واستأمن من أصحابه خمسة عشر ألف رجل ‏.‏

حمدون بن عباد أبو جعفر البزاز المعروف بالفرغاني سمع يزيد بن هارون وعلي بن عاصم

روى عنه‏:‏ البغوي وكان اسمه أحمد ولقبه‏:‏ حمدون وهو الغالب عليه ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ محله عندنا الصدق والأمانة ‏.‏

روى أحاديث بواطل فالحمل فيها على غيره ‏.‏

توفي في محرم هذه السنة ‏.‏

داود بن علي بن خلف أبو سليمان الفقيه الظاهري ولد سنة مائتين وسمع سليمان بن حرب والقعنبي ومسددًا وغيرهم ‏.‏

ورحل إلى نيسابور فسمع من إسحاق بن راهويه ‏"‏ المسند ‏"‏ و ‏"‏ التفسير ‏"‏ وكان يرد إلى إسحاق وما كان أحد يتجاسر عليه غيره ثم قدم بغداد فسكنها وصنف كتبه بها وهو إمام أصحاب الظاهر وكان ورعًا ناسكًا زاهدًا إلا أن مذهبه طريف يدعى الجمود على النقل ويخالف كثيرًا من الأحاديث ويلتفت على مفهوم الحديث إلى صورة لفظه وفي هذا تغفيل ‏.‏

وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق حدثنا علي بن عبد الله الهمذاني قال‏:‏ حدثني أحمد بن الحسين قال‏:‏ صليت صلاة العيد في يوم فطر في جامع المدينة فلما انصرفت قلت في نفسي‏:‏ أدخل على داود بن علي أهنئه وكان ينزل قطيعة الربيع فجئته وقرعت عليه الباب فأذن لي فدخلت عليه وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندباء وعصارة فيها نخالة وهو يأكل فهنأته وتعجبت من حاله فرأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء وخرجت من عنده فدخلت على رجل من مكثري القطيعة يعرف‏:‏ بالجرجاني فلما علم بمجيئي إليه خرج إلي حاسر الرأس حافي القدمين وقال‏:‏ ما عنى القاضي أيده الله قلت‏:‏ مهم ‏.‏

قال‏:‏ وما هو قلت‏:‏ في جوارك داود بن علي ومكانه من العلم ما تعلم وأنت كثير البر والرغبة في الخير تغفل عنه وحدثته حديثه وما رأيت منه فقال لي‏:‏ داود شرس الأخلاق اعلم أيها القاضي‏!‏ أني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره فردها مع الغلام وقال للغلام‏:‏ قل له بأي عين رأيتني وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت بهذا ‏.‏

فتعجبت من هات الدراهم فإني أحملها إليه أنا ‏.‏

فدعا بها ودفعها إلي وقال‏:‏ ناولني الكيس الأخير فجاءه بكيس فوزن ألفًا أخرى فقال‏:‏ تيك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته ‏.‏

فأخذت الألفين وجئت إلي فقرعت بابه فخرج وكلمني من وراء الباب وقال‏:‏ ما ورد القاضي قلت‏:‏ حاجة أكلمك فيها فدخلت وجلست ساعة ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه فقال‏:‏ هذا جزاء من ائتمنك على سره إنما بأمانة العلم أدخلتك إلي ارجع فلا حاجة لي فيما معك ‏.‏

قال المحاملي‏:‏ فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني وأخبرته بما رأيت

فقال‏:‏ أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى فلا ترجع في مالي أبدًا فليتول القاضي في إخراجها في أهل الستر والعفاف من المتجملين بالستر والصيانة على ما يراه فقد أخرجتها من قلبي ‏.‏

وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أحمد بن علي الخطيب حدثنا أبو طالب علي بن يحيى بن علي الدسكري أخبرنا أبو بكر بن المقرئ قال‏:‏ سمعت أبا بكر بن داود يقول‏:‏ سمعت أبي يقول خير الكلام ما دخل الأذن بلا إذن ‏.‏

قال المصنف‏:‏ قدم داود بغداد فسأل صالح بن أحمد بن حنبل أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه فاستأذن له فقال أحمد‏:‏ قد كتب إلي محمد بن يحيى النيسابوري في أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني - وفي رواية عنه‏:‏ أنه قال الذي في اللوح المحفوظ غير مخلوق والذي يقرأ الناس مخلوق ‏.‏

وأخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي قال‏:‏ وفي رمضان سنة سبعين ومائتين مات داود بن علي الأصبهاني وهو أول من أظهر انتحال الظاهر ونفي القياس في الأحكام قولًا واضطر إليه فعلًا فسماه دليلًا ‏.‏

وفي رواية‏:‏ أنه توفي في ذي القعدة ‏.‏

الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل الجيزي وكان فقيهًا سيدًا يروي عن عبد الله بن وهب وغيره ‏.‏

توفي في شعبان هذه السنة وصلى عليه خمارويه بن أحمد بن طولون ‏.‏

زكريا بن يحيى بن أسد أبو يحيى المروزي يعرف بزكرويه ‏.‏

سكن بغداد بباب خراسان وحدث عن سفيان بن عيينة وأبي معاوية ومعروف الكرخي روى عنه المحاملي وابن مخلد وأبو العباس الأصم ‏.‏

وتوفي في هذه السنة ‏.‏

عبد الله بن محمد بن شاكر أبو البختري العنبري سمع حسينًا الجعفي وأبا داود الخفري وغيرهما ‏.‏

وروى عنه‏:‏ ابن صاعد وابن حاتم وقال‏:‏ هو ثقة صدوق ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو بكر البرقاني أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال‏:‏ أنشدني أبو البختري‏:‏ وكيف شغلي بسوى مهجتي أم كيف لا أنظر في جيبي إن كان عيبي غاب عنهم فقد أحصى ذنوبي عالم الغيب عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب لو أنني أقبل من واعظ إذا كفاني واعظ الشيب توفي أبو البختري في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

الفضل بن العباس أبو بكر المعروف‏:‏ بفضلك الرازي سمع هدبة وقتيبة وابن راهويه ‏.‏

حدث عنه‏:‏ محمد بن مخلد وكان ثقة ثبتًا حافظًا إمام عصره في معرفة الحديث ‏.‏

توفي ببراثا من غربي بغداد في صفر هذه السنة ودفن هناك ‏.‏

الفضل بن العباس بن موسى أبو نعيم العدوي الاسترباذي روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين وأبي حذيفة النهدي وسهل بن بكار وسليمان بن حرب وغيرهم وكان فقيهًا فاضلًا ثقة مقبول القول عند الخاص والعام وهو الذي تقدم إلى أحمد بن عبد الله الطائي لما أراد أن يغير على استراباذ فاشترى منه البلد وأهله ستمائة ألف درهم ووزعها على الناس ويقال‏:‏ إنه قتله محمد بن زيد العلوي في سر وأخفاه وذلك في هذه السنة ‏.‏

محمد بن إبراهيم بن محمد بن فرخان الفرخاني ‏.‏

روى عنه البغوي وغيره ‏.‏

وكان فقيهًا فاضلًا ورعًا متقنًا ثبتًا زاهدًا ‏.‏

توفي في هذه السنة بسمرقند وله ست وثمانون سنة ‏.‏

محمد بن إسحاق بن جعفر وقيل‏:‏ ابن إسحاق بن محمد أبو بكر الصاغاني كان أحد الأثبات المتقنين مع صلابة في الدين واشتهار بالسنة واتساع في الرواية ورحل في طلب العلم إلى البلاد وسمع من يعلى بن عبيد الطنافسي ويزيد بن هارون وروح وخلق كثير ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن أبي الدنيا والنسائي وابن خزيمة ‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ كان ثقة فوق الثقة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الحافظ أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن محمد البزاز حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال‏:‏ قرئ على أبي الحسين بن المنادي‏:‏ مات الصاغاني لسبع خلون من صفر سنة سبعين ومائتين يوم الخميس ‏.‏

محمد بن الحسين بن المبارك أبو جعفر يعرف بالأعرابي ‏.‏

سمع أسود بن عامر ويونس بن محمد وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد وغيره ‏.‏

وكان ثقة كثير السماع توفي له ولد نفيس يحفظ الحديث فتغير لذلك إلى أن مات لعشر بقين من رمضان هذه السنة ‏.‏

مصعب بن أحمد بن مصعب أبو أحمد القلانسي بغدادي المولد والمنشأ أصله من مرو وهو من زهاد المتصوفة من قران الجنيد ورويم وإليه ينتمي أبو سعيد ابن الأعرابي ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال‏:‏ قال لي أبو أحمد القلانسي‏:‏ فرق رجل من الفقراء ببغداد أربعين ألف درهم فقال لي سمنون‏:‏ يا أبا أحمد ما ترى ما أنفق هذا وما قد عمله ونحن ما نرجع إلى شيء ننفقه فامض بنا إلى موضع نصلي فيه بكل درهم ركعة ‏.‏

قال‏:‏ فذهبنا إلى المدائن فصلينا أربعين ألف ركعة وزرنا قبر سلمان وانصرفنا ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي حدثنا عبد العزيز بن علي الخياط حدثنا علي بن عبد الله الهمذاني قال‏:‏ حدثني عبد السلام بن محمد بن أبي موسى قال‏:‏ حدثني أحمد بن محمد الزيادي قال‏:‏ كان سبب تزويج أبي أحمد القلانسي بعد تفرده ولزومه المساجد والصحارى أنه كان يصحبه شاب يعرف بمحمد الغلام وهو محمد بن يعقوب المالكي وكان حدث السن فقال‏:‏ أنا أحب أن أتزوج فسأل أبا أحمد بريهة أن يطلب له زوجة ‏.‏

قال‏:‏ فكلمت إنسانًا يقال له ابن المطبخي من النساك في بنت له فأجاب واتعدوا منزل بريهة ليعقد أبو أحمد النكاح ومعنا رويم والقطيعي وجماعة فحضر أبو الصبية فلما عزموا على النكاح قد بدا لي ‏.‏

فغضب أبو أحمد وقال‏:‏ تخطب إلى رجل كريمته ثم تأبى لا يتزوجها غيري فتزوجها في ذلك اليوم فلما عقدنا النكاح قام أبوها فقبل رأس أبي أحمد وقال‏:‏ ما كنت أطن أن قدري عند الله عز وجل أن أصاهرك ولا قدر ابنتي أن تكون أنت زوجها ‏.‏

وكانت عنده حتى مات عنها ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال‏:‏ حج أبو أحمد سنة سبعين ومائتين فمات بمكة بعد انصراف الحاج بقليل ودفن بأجياد عند الهدف ‏.‏